عثمان بن جني ( ابن جني )

99

الخصائص

وصهيل الفرس ، ونزيب " 1 " الظبي ونحو ذلك . ثمّ ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد . وهذا عندي وجه صالح ، ومذهب متقبّل . واعلم فيما بعد ، أنني على تقادم الوقت ، دائم التنقير والبحث عن هذا الموضع ، فأجد الدواعي والخوالج قويّة التجاذب لي ، مختلفة جهات التغوّل " 2 " على فكرى . وذلك أنني إذا تأمّلت حال هذه اللغة الشريفة ، الكريمة اللطيفة ، وجدت فيها من الحكمة والدقّة ، والإرهاف ، والرقّة ، ما يملك علىّ جانب الفكر ، حتى يكاد يطمح به أمام غلوة " 3 " السحر . فمن ذلك ما نبّه عليه أصحابنا رحمهم اللّه ، ومنه ما حذوته على أمثلتهم ، فعرفت بتتابعه وانقياده ، وبعد مراميه وآماده ، صحّة ما وفّقوا لتقديمه منه . ولطف ما أسعدوا به ، وفرق لهم عنه . وانضاف إلى ذلك وارد الأخبار المأثورة بأنها من عند اللّه جل وعزّ ؛ فقوى في نفسي اعتقاد كونها توفيقا من اللّه سبحانه ، وأنها وحى . ثم أقول في ضدّ هذا : كما وقع لأصحابنا ولنا ، وتنبهوا وتنبهنا ، على تأمل هذه الحكمة الرائعة الباهرة ، كذلك لا ننكر أن يكون اللّه تعالى قد خلق من قبلنا - وإن بعد مداه عنا - من كان ألطف منا أذهانا ، وأسرع خواطر وأجرأ جنانا . فأقف " 4 " بين تين الخلّتين حسيرا ، وأكاثرهما فأنكفئ مكثورا . وإن خطر خاطر فيما بعد ، يعلّق الكف بإحدى الجهتين ، ويكفها عن صاحبتها ، قلنا به ، وباللّه التوفيق . * * *

--> ( 1 ) النزيب : صوت تيس الظباء عند السفاد . ( 2 ) تغوّل الأمور : اشتباهها وتناكرها . ( 3 ) الغلوة : الغاية في سبق الخيل ، يريد أنه يدنو من غاية السحر . ( 4 ) يبدو من هذا أن مذهب ابن جنى في هذا المبحث الوقف ، فهو لا يجزم بأحد الرأيين : الاصطلاح والتوقيف قال ( النجار ) : وقد صرح بهذا ابن الطيب في شرح الاقتراح .